أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

627

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

به . ولا بدّ من حذف مضاف لتصحّ البدلية ، والتقدير : إلى حال العظام ، ونظيره قولهم : « عرفت زيدا : أبو من هو ؟ فأبو من هو بدل من « زيدا » ، على حذف تقديره : « عرفت قصة زيد » . والاستفهام في باب التعليق لا يراد به معناه ، بل جرى في لسانهم معلّقا عليه حكم اللفظ دون المعنى ، وهو نظير « أيّ » في الاختصاص نحو : « اللهم اغفر لنا أيّتها العصابة » فاللفظ كالنداء في جميع أحكامه ، وليس معناه عليه . وقرأ أبو عمرو والحرميّان : « ننشزها » بضم النون وكسر الشين والراء المهملة ، والباقون كذلك إلّا أنها بالزاي المعجمة . وابن عباس بفتح النون وضمّ الشين والراء المهملة أيضا والنخعي كذلك إلا أنها بالزاي المعجمة ، ونقل عنه أيضا ضمّ الياء وفتحها مع الراء والزاي . فأمّا قراءة الحرميّين : فمن « أنشر اللّه الموتى » بمعنى أحياهم ، وأمّا قراءة ابن عباس فمن « نشر » ثلاثيا ، وفيه حينئذ وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى أفعل فتتحد القراءتان . والثاني : أن يكون من « نشر » ضدّ طوى أي يبسطها بالإحياء ، ويكون « نشر » أيضا مطاوع أنشر ، نحو : أنشر اللّه الميت فنشر ، فيكون المتعدي واللازم بلفظ واحد ، إلّا أنّ كونه مطاوعا لا يتصوّر في هذه الآية الكريمة لتعدّي الفعل فيها ، وإن كان في عبارة أبي البقاء في هذا الموضع بعض إبهام . ومن مجيء « نشر » لازما قوله : 1058 - حتّى يقول النّاس ممّا رأوا * يا عجبا للميّت النّاشر « 1 » فناشر من نشر بمعنى حيي . وأمّا قراءة الزاي فمن « النّشز » وهو الارتفاع ، ومنه : « نشز الأرض » وهو المرتفع ، ونشوز المرأة وهو ارتفاعها عن حالها إلى حالة أخرى ، فالمعنى : يحرّك العظام ويرفع بعضها إلى بعض للإحياء . قال ابن عطية : « ويقلق عندي أن يكون النشوز رفع العظام بعضها إلى بعض ، وإنما النشوز الارتفاع قليلا قليلا » ، قال : « وانظر استعمال العرب تجده كذلك ، ومنه : « نشز ناب البعير » و « أنشزوا فأنشزوا » ، فالمعنى هنا على التدرّج في الفعل فجعل ابن عطية النشوز ارتفاعا خاصا . ومن ضمّ النون فمن « أنشز » ، ومن فتحها فمن « نشز » ، يقال : « نشزه » « أنشزه » بمعنى . ومن قرأ بالياء فالضمير للّه تعالى . وقرأ أبيّ « ننشئها » من النّشأة . ورجّح بعضهم قراءة الزاي على الراء بأن قال : العظام لا تحيا على الانفراد بل بانضمام بعضها إلى بعض ، والزاي أولى بهذا المعنى ، إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء ، فالموصوف بالإحياء الرجل دون العظام ، ولا يقال : هذا عظم حيّ ، وهذا ليس بشيء لقوله : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ « 2 » . ولا بدّ من ضمير محذوف من قوله : « العظام » أي العظام منه ، أي : من الحمار ، أو تكون « أل » قائمة مقام

--> ( 1 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 191 ) ، معاني الفراء ( 1 / 173 ) ، مجاز القرآن ( 2 / 70 ) ، أمالي الزجاجي ( 79 ) ، القرطبي ( 3 / 295 ) ، التهذيب ( 11 / 338 ) ، ( نشر ) الخصائص ( 3 / 325 ) ، اللسان ( نشر ) ، البحر ( 4 / 316 ) . ( 2 ) سورة يس ، آية ( 78 ) .